عبد القادر الجيلاني

78

فتوح الغيب

--> - تعالى : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [ الجن : 19 ] . وقال تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [ البقرة : 23 ] . وقال : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] . والمراد بِعَبْدِهِ : عابده المطيع لأمره ، وإلّا فجميع المخلوقين عباد بمعنى : أنهم معبدون مخلوقون مدبرون . وقد قال اللّه تعالى لنبيّه : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] . قال الحسن البصري : لم يجعل اللّه لعمل المؤمن أجلا دون الموت . وقد قال اللّه تعالى له : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] . قال ابن عباس ومن وافقه كابن عيينة وأحمد بن حنبل : على دين عظيم . و « الدين » : فعل ما أمر به . وقالت عائشة : كان خلقه القرآن . رواه مسلم [ 746 ] . وقد أخبرت أنه لم يكن يعاقب لنفسه ، ولا ينتقم لنفسه ، لكن يعاقب للّه ، وينتقم للّه . وكذلك أخبر أنس : أنه كان يعفو عن حظوظه . وأما حدود اللّه فقد قال : « والذي نفسي بيده ، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » . أخرجاه في الصحيحين [ خ ( 2505 ) وم ( 1688 ) ] . وهذا هو كمال الإرادة ، فإنه أراد ما يحبه اللّه ويرضاه من الإيمان والعمل الصالح ، وأمر بذلك وكره ما يبغضه اللّه من الكفر والفسوق والعصيان ، ونهى عن ذلك ، كما وصفه اللّه تعالى بقوله : * وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ( 156 ) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الأعراف : 156 - 157 ] . وأما لحظّ نفسه [ في نسخة : لنفسه ] : فلم يكن يعاقب ، ولا ينتقم ، بل يستوفي حقّ ربه ، ويعفو عن حظ نفسه ، وفي حظ نفسه ينظر إلى القدر ، فيقول : « لو قضي شيء لكان » . وفي حق اللّه يقوم بالأمر فيفعل ما أمر اللّه به ، ويجاهد في سبيل اللّه أكمل الجهاد الممكن ، فجاهدهم أوّلا بلسانه بالقرآن الذي أنزل عليه ، كما قال تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً [ الفرقان : 51 - 52 ] . ثم لمّا هاجر إلى المدينة وأذن له في القتال جاهدهم بيده . وهذا مطابق لما أخرجاه في الصحيحين [ خ ( 3228 ) وم ( 2652 ) ] عن أبي هريرة ، وهو معروف أيضا من حديث عمر بن الخطاب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في حديث احتجاج آدم وموسى لما لام موسى آدم لكونه أخرج نفسه وذرّيته من الجنة بالذنب الذي فعله ، فأجابه آدم : بأن هذا كان مكتوبا عليّ قبل أن أخلق بمدة طويلة . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « فحجّ آدم موسى . . » . وذلك لأن ملام موسى لآدم لم يكن لحق اللّه ، وإنما كان لما لحقه وغيره من الآدميين من المصيبة بسبب ذلك الفعل ، فذكر له آدم أن هذا كان أمرا مقدّرا لا بدّ من كونه ، والمصائب التي تصيب العباد يؤمرون فيها بالصبر ، فإن هذا هو الذي ينفعهم . وأما لومهم لمن كان سببا فيها ، فلا فائدة لهم في ذلك . وكذلك ما فاتهم من الأمور التي تنفعهم يؤمرون في ذلك بالنظر إلى القدر ، وأما التأسّف والحزن فلا فائدة فيه ، فما جرى به القدر من فوت منفعة لهم ، أو حصول مضرّة لهم ، فلينظروا في ذلك إلى القدر ، وأما ما كان بسبب -